الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

392

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

ويحاول بعضهم أن يظهر بمظهر الاعتدال ، فيرى أن العامل الأول في نشأة التصوف ، إنما كان القرآن وحياة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومنهما استمد التصوف بذوره الأولى ، ثم كانت الثقافة الأجنبية هندية ، أو يونانية ، أو فارسية ، أو مسيحية هي التي أثرت فيه وجعلته يتطور ، وهي التي أمدته من الآراء بما زعموا أنه بعيد عن روح الإسلام وطبيعته . ورغم أن الأستاذ ( لويس ماسينيون ) يقول في صراحة : « أما دراسة مصادر التصوف ، فإن الشقة بيننا وبين استكمالها ما زالت بعيدة » ، فإن المستشرقين ، ومن نهج نهجهم يحاولون جاهدين أن يعزوا التصوف إلى مصدر معين ، أو إلى مصادر مختلفة يشترك فيها المصدر الإسلامي ، أو لا يشترك . والتصوف إذن على رأي بعضهم : « مذهب دخيل في الإسلام مأخوذ أما من رهبانية الشام ، وهو رأى ( ميركس ) ، وإما من أفلاطونية اليونان الجديدة ، وإما من زرادشتية الفرس ، وإما من فيدا الهنود ، وهو رأى جونس » . ويأخذ المستشرقون في مناقشة بعضهم البعض ، وهدم بعضهم البعض ، بل إن الشخص الواحد منهم يغير رأيه ، فيختلف باختلاف فترات حياته ، فالمستشرق ( ثولك ) مثلًا يذهب في أول حياته إلى أن التصوف الإسلامي إنما هو مأخوذ عن أصل مجوسي . ثم يعدل عن ذلك إلى الطرف المقابل : ويرى أن ( التصوف ) وكل ما فيه من الأقوال المتطرفة يمكن الرجوع به إلى تعاليم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وسيرته . . . فإن ما حدث لثولك ، هو نفسه ما حدث للمستشرق ( نيكولسون ) ، أنه يتحدث عن التصوف ، فيرجع نشأته إلى عوامل خارجة عن الإسلام ، عملت عملها ابتداء من القرن الثالث الهجري . وأهم هذه العوامل وأبرزها في نظره ، هو الأفلاطونية الحديثة المتأخرة والتي كانت شائعة في : مصر ، والشام ، إلى عهد ذي النون المصري ومعروف الكرخي . وإذا أردنا تصوير رأي نيكلسون بقلمه في هذه الفترة فإننا نراه يقول : « ولكني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة التصوف بمعناه الدقيق ، استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي ، أو فارسي ، ولزم أن نعتبره وليداً لاتحاد الفكر